تقرير صحفي

غور الأردن. تصفية عرقية ومضايقات المزارعين الفلسطينيين

قبل أيام معدودة من تقديم الوزير الأول بنيامين ناتنياهو لمشروع ضم غور الأردن الاستراتيجي، تخوض إسرائيل بتكتم حملة عنيدة هدفها ترحيل الفلسطينيين من الأراضي التي تعتزم السيطرة عليها في شمال الضفة الغربية.

عمر بشارات أمام أنقاض مبنى فلسطيني دمرته إسرائيل في غور الأردن.
أدريان غيران.

كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا عندما سمع عمر صوت محرك سيارات جيب الإسرائيلية: “كنت أعرف سبب قدومهم، لكن بما أنه لم يصلني قرار هدم منزلي، ظننت أنهم جاؤوا لهدم بيت جاري”. ولم يلبث أن فهم عمر عندما رأى الجنود يمشون في اتجاهه: “أمروني وعائلتي بأن نجمع أغراضنا... ونرحل. أجبتهم بأنني كنت قد تقدمت بطلب تصريح لكنهم لم يكترثوا بذلك بل قال أحدهم:”لا تقل هذا لي بل قله لمحاميك“”. وفي أقل من ساعة، تحوّل منزل عمر وخمسة مبان أخرى من قرية الحديدية إلى تراب. “إنها المرة الخامسة منذ 1982 التي يهدم فيها الجيش بيتي”.

هدم البيوت بالجرافات ليست إلا واحدة من الوسائل الشتى التي تستعملها إسرائيل لتنكد على فلسطينيي غور الأردن عيشهم. إذ تقتلع أشجار الزيتون بانتظام وتحرق حقول القمح وتخرّب خزانات المياه، كما تجعل أحيانا الولوج إلى الماء أو الكهرباء شبه مستحيل. قبل أيام معدودة من تقديم الوزير الأول بنيامين ناتنياهو لمشروع ضم غور الأردن الاستراتيجي، قلّة هم من يتحدّثون عما يعنيه ذلك بالنسبة للستين ألف فلسطيني -بحسب مختلف التقديرات- الذين يعيشون على هذه الأراضي التي تسعى إسرائيل إلى الاستحواذ عليها بطريقة دائمة1.

“إنهم لا ينظرون إلينا”

الحديدية قرية ريفية تقع في شمال غور الأردن. يشرف عليها شمالا على بعد كيلومترات تلّ تقع فيه قاعدة عسكرية إسرائيلية، بينما توجد مستوطنة على بعد كيلومترين في الشمال الغربي للقرية. وهكذا يكاد أهلها يجدون أنفسهم محاصرين تماما من قبل المحتلين. وتوجد أراض شاسعة شمالا وشرقا وجنوبا ممنوعة على أهالي الحديدية بعد أن أعلن الجيش الإسرائيلي أنها مناطق للتدرب على إطلاق النار. كما أن الطريق المؤدية إلى القرية لم تكن معبدة، وعندما قام الأهالي وبعض الجمعيات بجعلها قابلة للاستخدام، قام الجيش بتخريبها. كما يُمنع على السكان استعمال المياه التي تديرها شركة إسرائيلية تتحكم في الموارد المائية في المنطقة. وفي 2015، كان الجيش يأتي يوميا لهدم البيوت حتى أنه لم يعد للعائلات خيار آخر سوى النوم على الأرض.

الحديدية، بين المستوطنات ومناطق التدرب على إطلاق النار الإسرائيلية.

يتنقل الجيش الإسرائيلي كل أسبوع إلى الحديدية لتفقد المكان ومراقبته. يقول عمر: “إنهم لا يقولون شيئا، بل يكتفون بالتصوير وتدوين بعض الأشياء، وقد يحدث أن يستعملوا طائرة دون طيار. ثم يعودون ومعهم أمر بالهدم فيضعونه أرضا ويضعون فوقه حجرا وينصرفون، حتى إنهم لا ينظرون إلينا”. يعرف السكان جيدا أنه عندما يصدر هذا الأمر، فإن منزلهم سيتعرض للهدم لا محالة، لكنهم لا يعرفون متى: “قد يكون ذلك بعد أسبوع أو شهر أو سنوات. فالضبابية استراتيجية تستعملها إسرائيل لبث الخوف، إذ أن هدفهم ليس فقط الهدم بل كذلك الترهيب. وهم هكذا يأملون بأننا سنسأم العيش في هذه الظروف وسنرحل”.

كانت آخر مرة هدم فيها منزل عمر في أكتوبر/تشرين الأول 2018. وقد ذكرت الأمم المتحدة أنه في نفس ذلك الشهر، تعرض 51 مبنى فلسطيني للهدم أو المصادرة من قبل السلطات الإسرائيلية في بعض مناطق الضفة الغربية أو القدس الشرقية. من جهتها، أعلنت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسليم” أنه تم هدم 698 مبنى في غور الأردن بين 2006 و2017. لكن قلّما يتم إدراج هذه الأخبار في الجدال حول إسرائيل وفلسطين. كما أن الاضطهاد الذي يتعرض إليه أشخاص مثل عمر وعائلته بات أمرا عاديا لا يكاد يُحسب له حساب.

“أينما ذهبنا، سيدمرون بيوتنا”

يعيش أبو صقر في أحواز الحديدية منذ أكثر من سبعين عاما، ووصل به الأمر إلى رفع قضية لوقف التدمير أمام المحكمة العليا. وقد حكم القاضي ضده بحجة أنه يمثل خطرا على المستوطنة المجاورة، رغم عدم وجود أي سوابق عدلية له. يعلق أبو صقر على الأمر قائلا: “أنا عربي، لذا فأنا بنظرهم إرهابي محتمل”. كما قيل له إنه لكونه “بدويا” (بمعنى من البدو الرحّل) يمكنه الرحيل إلى أي مكان آخر. يجيب أبو صقر على ذلك قائلا: “الحصول على تصريح للبناء أمر يكاد يكون مستحيلا بالنسبة لفلسطيني. لذلك فأينما ذهبنا، سيدمرون بيوتنا. إنهم يريدون أن نرحل من هنا”.

بينما تواصل إسرائيل توسعها في غور الأردن، لم تفتأ مساحة الأراضي حيث يرعى الفلسطينيون ماشيتهم تتقلّص. يعلّق أبو صقر على الأمر قائلا: “لا يريد المستوطنون رؤيتنا، لذا يسعون دائما إلى خلق مساحة خالية حول المستوطنات. وعندما نحاول المكوث بعيدا عنهم، نجد أنفسنا في مناطق التدرب على إطلاق النار. فإما أن يعتقلنا الجيش أو يضايقنا المستوطنون”. وتأخذ هذه المضايقات ضد الرعاة الفلسطينيين أشكالا عدة، من العنف اللفظي إلى العنف الجسدي، ناهيك عن التخريب وإحراق البيوت.

“ترحيلهم دون إطلاق أي رصاصة”

أسّس الحاخام أريك أشيرمان منظمة إسرائيلية تدعى “حاخامات من أجل حقوق الإنسان”، ويتضامن هو وناشطون آخرون كل أسبوع مع الأهالي الذين يهددهم المستوطنون في غور الأردن. ويشرح أشيرمان الوضع قائلا: “يظن المستوطنون أنهم إن ضايقوا الفلسطينيين بما فيه الكفاية ومنعوهم من مواصلة العيش لأسباب مادية، فسيرحل هؤلاء دون إطلاق أي رصاصة”. وتتم أعمال عنف المستوطنين في غياب شبه تام لأي عقاب. فبحسب المنظمة غير الحكومية “ياش دين”، تغلق 91% من الملفات المتعلقة بأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون دون توجيه اتهام. يشرح أشيرمان الأمر قائلا: “عندما يقف راع فلسطيني ومستوطن إسرائيلي وجها لوجه، يمكن للأخير أن يقتل الفلسطيني ويدعي أنه لم يكن له أي خيار لأن الفلسطيني هاجمه. لن يصدق أحد ما يقوله الفلسطيني”.

تعرض الحاخام أشيرمان بدوره إلى الركل والضرب بالعصي والطعن من قبل مستوطنين، بعد أن تجرأ على مرافقة فلسطينيين ليرعوا ماشيتهم. كما تم توقيفه من قبل الجيش الإسرائيلي وتلقى رسائل تهديد: “وصفني أحدهم بالخائن بينما كنت أمام حائط المبكى. لم أكن أعرفه لكنه كان يعرفني”.

صحيح أن مطالبة إسرائيل بغور الأردن تعود بالأساس للأهمية الاستراتيجية للمنطقة، لكنها حرصت على عدم تضييع الإمكانيات الاقتصادية الهائلة للأراضي الصالحة للزراعة. فمنذ عقود، قامت الدولة بنقل إسرائيليين إلى المستوطنات الموجودة في المنطقة حتى تمنع الفلسطينيين من استعمال الموارد الطبيعية المتوفرة. وقد ساهم ذلك في ازدهار صناعة زراعية إسرائيلية وتسبب في نفس الوقت في خراب تام للزراعة الفلسطينية.

تفقد للآبار تحت حراسة عسكرية

تقع قرية العوجا الفلسطينية شمال أريحا. وكانت العين التي تجري فيها إحدى أهم موارد المياه بالنسبة لفلسطينيي غور الأردن قبل الاحتلال. أما اليوم، فلا تكاد مياه هذه العين تكفي لاستهلاك سكان القرية، دون الحديث عن الري. يقول صالح فريجات، رئيس بلدية العوجا: “بعد 1967، شرع الإسرائيليون في حفر الآبار لمد المستوطنات بالماء”. يتسبب نقص ماء العوجا اليوم في خراب الزراعة، إذ أن إسرائيل تمنع الفلسطينيين من بناء آبار جديدة وتضع حدودا صارمة بالنسبة للعمق المسموح به عند الحفر بحثا عن مياه. “لا يُسمح لنا بالحفر بما يكفي كي نجد ماء عذبا، فالماء القريب من سطح الأرض مالح ولا يمكننا استعماله للزراعة أو الشرب”. كما تراقب إسرائيل القرية عن كثب كي تتأكد من مدى استعمالها للماء: “يأتي عاملون من الشركة الوطنية للمياه”ميكوروت“كل شهر لتفقد آبارنا والتأكد من عمقها. وغالبا ما يتم ذلك تحت حراسة عسكرية”.

أما التداعيات على الزراعة، فحدث ولا حرج. يقول جاسر عطيات، وهو مزارع للخضر والغلال كان يجمع قوت يومه من خلال زراعة القثاء والباذنجان والبطيخ: “الوضع غير واضح بالمرة. في السنة الماضية، خسرت كل زراعتي من البطيخ والقمح. صحيح أن المنطقة غنية بالمياه الجوفية النقية، لكن الإسرائيليين لا يسمحون للعرب بالوصول إليها. جميعها تذهب للمستوطنات”. كما يؤكد جاسر أن العديد من أولئك الذين زرعوا الأرض طوال أجيال باعوا حقولهم ورحلوا: “عندما يموت الزرع، فهذا أمر رهيب بالنسبة للمزارعين. فنحن نخسر أموالا، إن كانت أموال الحبوب أو أجور العاملين أو النباتات أو جميع الوسائل والموارد الضرورية للزراعة. ناهيك عما كنا سنبرحه لو بعنا منتوجاتنا”. وفي الأثناء، تواصل أراضي المستوطنين الإسرائيليين ازدهارها: “لهم الأمن والماء، لكنهم يرفضون اقتسامه”.

أسفرت أزمة الماء في العوجا كما الحد من استعمال الأراضي والتحرك والولوج إلى السوق، عن بطالة واسعة. لكن المستوطنين الإسرائيليين يرون في هذا الوضع فرصة جيدة، فهم يعلمون أن بإمكانهم الحصول على يد عاملة مؤهلة بثمن أضعف بكثير من ذاك الذي سيطلبه عامل إسرائيلي. وهذه إحدى فوائد الزراعة في الأراضي المحتلة التي تترجمها الأرقام بطريقة مدهشة، إذ أن أكثر من نصف سكان العوجا يعتمدون على العمل في مزارع المستوطنات لتحصيل قوت يومهم. وبما أن القانون المدني الإسرائيلي لا يطبق على الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات، فإن حقوق العمال في مستوطنات غور الأردن تسقط بكونهم عربا.

كثيرا ما يطلب من الفلسطينيين التنازل عن العنف. عندما يهدم الجنود الإسرائيليون منزلا فلسطينيا في غور الأردن، لا ترد العائلة الفعل بعنف، بل تجمع أغراضها وتحضن أطفالها وتشاهد الجرافات الإسرائيلية وهي تهدم منزلها. وعندما يرحل الجيش، تبحث العائلة في أنقاض المنزل وتشرع في إعادة بناء حياتها. لا يعارض الفلسطينيون جرائم حرب المحتل أمام محاكم دولية بل أمام محكمة بلد المحتل. لكن الجواب الوحيد الذي يأتيهم لتوخيهم طريق القانون واللا عنف هو ضم هذه الأرض التي يعتمدون عليها -غور الأردن.

منذ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، بدا ناتنياهو وحليفه -منافسه سابقا- بيني غانتس راغبين في تحقيق وعود الحملة الانتخابية بشأن ضم غور الأردن. فقد أعلن الوزير الأول مؤخرا: “أنا متأكد أننا سنفي بالوعد وأنه سيكون بوسعنا الاحتفال بحدث تاريخي آخر في تاريخ الصهيونية”. أما وزارة الخارجية الأمريكية، فهي ترى في هذا الضم “فرصة مفيدة بالنسبة للفلسطينيين”. وعلى الصعيد الدولي، عبّر المجتمع الدولي عن قلقه بشأن التداعيات السلبية لهذا الضم على إسرائيل في العالم، لكن عددا قليلا جدا من رؤساء الدول عبّر عن قلقه بشأن وضع الفلسطينيين.

يسير عمر بين الأنقاض التي تراكمت على مر سنين من الهدم، ويعلّق مردّدا ما يقوله عديد سكان غور الأردن: “لا يهمنا من كان مسلما أو يهوديا أو مسيحيا. كل ما نريده هو العيش بحرية على هذه الأرض”.

1أعلنت السلطات الإسرائيلية في 11 يونيو/حزيران أنها ستقوم بـ“إحصاء” السكان الفلسطينيين في الأراضي التي يشملها مشروع الضم