مقابلة

تركيا : أرض الهوس بالمؤامرات

عاد هاجس المؤامرات يطل برأسه في شتى أنحاء العالم. ولقد انتشرت في تركيا هذه الآفة فتغلغلت في المشهد السياسي، على شكل نظريات مبهمة تطال كل أطياف المجتمع. أول من يلوح بهذه المخاطر الوافدة من مصادر غامضة هي السلطة، التي تسعى بذلك لتبرير القمع الذي تمارسه. يحلل دوغان غوربينار، المؤرخ والأستاذ في الجامعة التقنية “تكنيك أونيفرسيتيزي” هذه الظاهرة في “كتاب المؤامرات” الصادر عن دار “دوغان كتاب” عام 2014 والذي يقع في 288 صفحة ولم يترجم بعد. وفيما يلي مقابلة مع المؤلف.

لوحة للرسام الدانماركي بيتر مارتنسن حول المؤامرة - عام 1993- والعنوان بالانكليزية “one finger fugue”

سيلين بيار مانياني: تزدهر منذ بضع سنوات نظريات المؤامرة في العالم وعلى وجه الخصوص في تركيا. ما الذي دفعك الى تحليل هذه الظاهرة؟

دوغان غوربينار - رأيت من الضروري القيام بهذا العمل لأن نظريات المؤامرة لم تعد حكراً على بعض الأفراد غريبي الأطوار. فلقد انتشرت في تركيا ووصلت الى الشرائح المثقفة في المجتمع، لدرجة أنها تحدد الى حد بعيد آراءهم السياسية وفهمهم للعالم وللتطورات التاريخية. بدأت هذه الظاهرة عام 2000 حين بدأت الكتب التي تتبنى هذه النظريات تحرز أفضل المبيعات في المكتبات. وكانت غالبيتها تاريخية وهو الشيء الذي شدّ انتباهي بصفتي مؤرخ. وبدأت الشرائح المثقفة في العالم تفسر التاريخ من وجهة نظر هذه المؤلفات الأكثر مبيعاً وتُكوِّن رأيها السياسي من خلال هذه الحكايات. هذه النظريات لا تخرج من العدم؛ فهي مزيج من المخاوف والمعلومات الموجودة أساساً ومن هنا تستمد كل قوتها. فهي تستند الى المتوفّر من الأمور الشائعة، المعروفة من الجمهور منذ الطفولة ولا سيما فترة المدرسة، ولكن مؤلفي هذه الكتب- هـؤلاء المثقفين الذين أسميهم “مقاولي الأفكار”- يمنحونها بعداً تآمرياً. فتصبح القومية العادية قومية متطرفة. ولا شك أن النزعة القومية هي أكثر ما يغذي الرؤيا التآمرية بما أنها تعتبر كل الأحداث والتطورات ترجمة لميزان القوى بين الدول.

س.ب - ومن هي القوى التي تقف ضد تركيا ؟ ما هي نظريات المؤامرة الأكثر تداولاً هذه الأيام؟

د.غ - الجميع يناصب تركيا العداء. العالم بأسره يقف ضد تركيا لأنها تركيا. أؤكد على هذه الصيغة، حتى ولو بدا فيها شيء من الإطناب. في النظرة الواقعية للعلاقات الدولية تعتبر المصالح وليس القيم هي التي تحدد قرارات الدول وبالتالي الأمم. أما القومية فتمنح الشعب وللدولة التي تمثل الشعب جوهراً خاصاً. “نحن” الأخيار و“هم” الأشرار. تركيا كريمة في جوهرها في حين أن البلدان الأخرى لئيمة في جوهرها. المشكلة هي أن العداوات لم تعد تعبّر عن نفسها فقط على مستوى الدول. منذ عشرين أو ثلاثين عاماً كانت اليونان هي عدوة تركيا. كان الأمر بسيطاً. أما اليوم فرحم العداوات بات أكثر تعقيداً. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن “الجالية الأرمنية في المهجر” (دياسبورا) وليس عن أرمينيا فماذا نعني بالضبط؟ هذه عبارة تحقيرية في تركيا تشير الى شبكة عابرة للقارات وذات طابع تجريدي. والشيء نفسه عندما نتحدث عن الصهيونية فنحن لا نتحدث عن إسرائيل هنا وهو بلد بعينه، بل عن شبكة دولية ورحم يولد الروابط. وهذا البعد السحري يزيد من وطأة العبارة ومما تثيره من مخاوف. ولقد ازداد بروز النظريات الإسلامية للمؤامرة مع حزب العدالة والتنمية، الحاكم منذ 2002. إلا ان السلطة الحالية تستخدم كذلك المخاوف المشتركة بشكل عام . وكما القومية فالدين الإسلامي يعتبر نفسه أنه “خير” بحد ذاته - ولا بد من القول أن هذا الاعتبار نفسه موجود لدى سائر الديانات. من البديهي بالتالي أن تعبر أي منظومة للمعتقدات عن نفسها بنظريات المؤامرة على المستوى السياسي.

س.ب - تتحدث في كتابك عن “منتجين” و“مستهلكين” لنظريات المؤامرة. من هم هؤلاء بالضبط؟ وكيف تنتشر هذه النظريات وما هي الفئات الاجتماعية المعنية أكثر من غيرها؟

د.غ - جزء من هذه النظريات هي ما اتفق على تسميتها بال “مستوردات”. فنظريات المؤامرة الدارجة في الولايات المتحدة الأميركية ولا سيما داخل اليمين الأمريكي تجد صدى لها في تركيا. وتتبع عند وصولها عملية “تطويع” مع الظروف المحلية. تتأقلم العداوات المستوردة من أمريكا مع الأحداث الجارية محلياً. وهذه فرصة لا يفوتها “مقاولو الأفكار”. يؤلفون كتباً سهلة القراءة ويكسبون سمعة بالتحدث في قنوات التلفزيون أو الندوات أو منتديات الطلاب والجمعيات. لقد أصبح “هاجس المؤامرة” تجارة. وعندما أتحدث عن منتجي المؤامرات، أقصد أولئك الذين يقومون للمرة الأولى بإعادة استخدام نظرية مؤامرة موجودة. فهم يقومون بعملية إعادة تدوير للموجود بشكل ما. بعضهم يضع فرضيات فريدة من نوعها وتفسيرات عبقرية. وفي تجارة المؤامرات هذه، تكمن البراعة كل البراعة في القدرة على اكتشاف الروابط المنطقية التي لا يراها الآخرون. فالمسألة بالنسبة لهم تشبه اللعبة، الى حد ما، كمن يكتب قصة بوليسية متينة الحبكة. وبعض منتجي الروايات غير بارع على الإطلاق، يحاول إضافة بعض التفاصيل فقط على ما هو موجود من أمور متداولة ومبتذلة.

س.ب - يبدو أن نظريات المؤامرة لا تنفصل عن الخطاب السياسي في تركيا. هل أن الحذر تجاه “القوى الخارجية” ملازم للحياة السياسية؟

د.غ - هي وسيلة بسيطة ومباشرة أكثر من غيرها في التوجه الى الشعب. في تحليل شهير لكارل شميت1 تم تعريف السياسة على أنها ما يسمح بتحديد من هم الحلفاء ومن هم الأعداء . وانطلاقاً من هذا المنظور لا يهم كيف تتم عملية اللجوء الى العقل: فالسياسة هي وسيلة تحديد الأعداء فقط لا غير. الخطابات السياسية والأيديولوجية تقوم بذلك بشكل غير مباشر في حين أن الخطابات المحفوفة بهاجس المؤامرة تفعل ذلك بطريقة مباشرة. فهي تُصور الأبرياء في أبهى حلة وتُصور الأعداء بصورة الشياطين.

س.ب - عمن يتحدث الرئيس أردوغان ووزير الاقتصاد عندما يعللان الأزمة الاقتصادية بتأثير “القوى الخارجية” الهادفة الى زعزعة استقرار تركيا؟ هل لديهما براهين عما يقولان؟ وهل يصدقهما الشعب؟

د.غ - المتآمرون لا يُعَرَّفون إلا بصيغة الضمير الغائب “هم”، وما يجعل هذا الخطاب قوياً وجذاباً هو كونه بالضبط لا يستهدف أي طرف محدد. “هم”، هذه الصيغة البليغة لا تشير الى بلد بعينه أو طبقة اجتماعية أو مجموعة معينة أو حزب سياسي معين بل يمكن أن تصيب كل هؤلاء مجتمعين. من يستمع الى هذا الخطاب يستطيع أن يمنحه المعنى الذي يريد. وما يجعل الخطاب بهذه الفعالية هو بقاء العدو في الخفاء، غير محدد الملامح، مجهول الهوية، وفِي الوقت نفسه موجود في كل مكان. الجميع معني به بما أنه العدو المشترك الذي يقف ضدنا “نحن”. قوة المؤامرة كلها تكمن في كون الضمير الغائب يترك مجالاً واسعاً للخيال في هذه المناطق الرمادية بين الأبيض والأسود.

س.ب - أليس لدى الشعب ما يدعوه للحذر بالفعل والبحث عن معاني خفية بعد الغموض الذي يلف أحداث مثل قضية سوسورليك عام 19962، ودعاوي إيرغينيكون أمام المحاكم في 20073 و محاولة الانقلاب عام 2016؟

د.غ - في تركيا ثمة عدد لا يحصى من القضايا التي يمكن إعادة استخدامها بهذا المعنى. فلنأخذ مثال “الدولة العميقة” (أو الدولة داخل الدولة). فلقد ظهر هذا الواقع على الملأ بفضل الجهود الهائلة التي بذلها صحفيون من اليسار ومن التيار الليبرالي. فتلقفه أولئك الذين ينظرون للمؤامرات، فاختاروا ما يناسبهم فيه من عناصر وأعادوا تشكيلها لصنع رواية تجعل المؤامرة قابلة للتصديق. فبالنسبة لهم الدولة العميقة هي صنيعة الماسونية والأسباط من أتباع سبطاي تزيفي4 والمتهمين بأنهم عملاء الغرب المندسين داخل جهاز الدولة بحيث يتمكنون بشكل أفضل من الإيقاع بتركيا. مسلسل“كورتلار فادزي” المتسم بالإثارة السياسية والعنف شبه الإباحي والذي يلعب بالذات على وتر نظريات المؤامرة، لاقى نجاحاً هائلاً، وساهم في تغذية الشكوك حيال الدولة العميقة وفي تأجيج مشاعر القومية. ولئن كانت فرضيات الدولة العميقة شديدة الرواج في أوساط اليسار في التسعينات، فلقد استعادتها الأوساط الإسلامية في سنوات ال2000 حيث برزت بشكل ساطع. ولقد أدركنا مؤخراً مدى توسع منظمة فيتو لفتح الله غولن وفروعها في أجهزة الدولة وحتى داخل القضاء والشرطة. ولسخرية الأقدار كان المثقفون الليبراليون قد اتهموا كل من من حذر من هذا التغلغل بأن لديه مرض الهوس بالمؤامرات. وها هي الأحداث تؤكد مقولتهم. هذه مؤامرة داخل المؤامرة!

س.ب. - في تركيا بلغ هاجس المؤامرات حداً أصبحت الشكوك والاتهامات “بالتواطؤ مع العدو” تنهال فوراً على أي مبادرة تقدمية. الى أي مدى يمكن إحلال نقاش عام سليم؟

د.غ - حسب منظرين ليبراليين مثل جون ستيوارت ميل (1806-1873) وكارل بوبر (1902-1994)، وحدها بيئة الحرية التامة تسمح بنقاش عام سليم وبالتمييز بين الخطأ والحقيقة. وحسب هذه الفرضية فإن الحقيقة تفرض نفسها على الدوام في نهاية المطاف على المعلومات الخاطئة، طالما أن الإثنين يتنافسا بشكل تام. ولكن في الواقع هذا لا يحصل للأسف. فالمعلومات الخاطئة تطرد الجيدة. هذا ما نلاحظه في تركيا وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية حيث لم يسمح النقاش العام بالتصدي لانتخاب دونالد ترامب.

1رجل قانون ألماني انتمى الى الحزب النازي ثم طُرِد منه

2وهو حادث سيارة راح ضحيته نائب في البرلمان وقروي كردي وزعيم مافيا. وكانت الفضيحة قد كشفت العلاقات بين السلطة وشبكات المافيا وأدت الى استقالة وزير الداخلية، الذي مثل أمام المحكمة في 2007 وأدين في 2011

3وهي سلسلة محاكمات مثيرة للجدل طالت أكثر من 300 شخص من ضمنها نشطاء من أقصى اليمين وكذلك من اليسار ومثقفين وجامعيين وعسكريين وشرطيين اتهموا جميعاً بالتآمر ضد الدولة

4والذين يفسرون اعتناقه الإسلام كوصية لممارسة دينه سراً