وسائل الإعلام الخليجية: تراشق بالسهام بين الجارات الشقيقات

ظلال الأزمة القَطَرية

لم يعد الإعلام الخليجي ما بعد الخامس من يونيو (حزيران) ٢٠١٧ كما كان قبل هذا التاريخ. فبعد أن كان إعلام دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، الإمارات، عُمان، الكويت، قطر والبحرين يتفق على تسعين بالمائة من المواقف والآراء والموضوعات، تغير الحال إلى العداء والتهجم والخصومة. أدى الانقسام الكبير إلى تبادل رسائل التهجم بين جبهة أولى تضم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين في مواجهة جبهة تقف فيها قطر وحدها. من جهة أخرى التزمت سلطنة عُمان والكويت الحياد ومحاولة تهدئة الصراع والشقاق بالدعوة للتلاحم والتعاضد.

في فجر الخامس من يونيو (حزيران) ٢٠١٧ قررت ثلاث دول خليجية (المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين)، مقاطعة قطر وحصارها برا وجوا، متهمين إياها بدعم الإرهاب، والتآمر على دول الجوار، والخروج عن خط مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى العديد من الاتهامات الأخرى التي استحقت من أجلها سحب سفراء الدول الثلاث، ومطالبتهم لمواطنيهم بمغادرة قطر، كما طلبت من المواطنين القطريين مغادرة البلدان الثلاث، ومنع جميع وسائل الإعلام القطرية من التداول، وتشفير المواقع الإلكترونية القطرية، مصحوبة بحملة إعلامية شعواء، بدءا من كتّاب الأعمدة وليس انتهاء بالبرامج الحوارية والتحقيقات الموسعة والتقارير الاقتصادية والسياسية التي تتعلق بقطر.

«كلنا وراءك يا تميم»

انطلقت الحملة الإعلامية في الدول الثلاث ضد قطر منذ اليوم الأول، حتى إنه يتبادر إلى الذهن، من أين جاءت هذه المادة الإعلامية بين ليلة وضحاها؟ وهل كان الإعلام على علم بخبر المقاطعة قبل حدوثها؟ أو كان بالإتفاق؟ ففي اليوم الأول للمقاطعة، أي السادس من يونيو (حزيران) نشرت صحيفة البيان الإماراتية على صفحتها الأولى ”لا تسامح مع الدور التخريبي لقطر“ بالخط العريض، بالإضافة لفرد مساحة شاسعة لكيل الاتهامات للدولة الجارة. وفي صفحة تالية عنوان ”تنظيم الحمدين تشبث بالإرهاب وأجندة الفوضى“ في إشارة لقطر، في حين كانت وسائل الإعلام القطرية تعيش في الأيام الأولى صدمة المقاطعة والحصار، وحاولت إظهار مدى قوة النظام والتفاف الشعب حول القيادة القطرية، فقد جاء في عدد صحيفة ”الراية“ القطرية في اليوم الأول للمقاطعة (٦ يونيو) مانشيت ”قطر لن تركع .. وكلنا حولك يا تميم“.

إلا أن الإعلام القطري وعلى رأسه قناة ”الجزيرة“ عاد بعد أيام قليلة ليستوعب اللعبة، فلم يقلل هو الآخر من التصادم والنبش في الماضي واعتماد صحافة ”الفضائح“ أو الصحافة الصفراء للرد و الهجوم على الدول الثلاث المحاصرة لقطر، وللمراقب عن قرب فإن هجوم الإعلام القطري على النظام المصري لم يتوقف منذ استلام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الحكم في العام ٢٠١٤، وهو ما اعتبرته قطر التي تدعم تنظيم الأخوان المسلمين، انقلابا على الشرعية. لم يكن من الجديد إذن توجيه نيران الإعلام القطري تجاه مصر والنظام المصري، فالأمر كان مستمرا منذ سنوات ثلاثة عند انضمام مصر للدول المقاطعة في يونيو (حزيران) الماضي. كان الجديد في الأمر إذن هو الهجوم على الدول الخليجية.

في الوقت نفسه نأى الإعلام العماني والكويتي عن الخلاف بين الدول الخليجية الأربع، فقد كانا يدعوان لحل الخلافات وتقديم الحكمة والابتعاد عن الكراهية، مذكرين دائما بوحدة الخليج والتاريخ والأرض. وقف الإعلام الكويتي جنبا إلى جنب مع أمير الكويت لمحاولة رأب الصدع وجمع المختلفين على طاولة حوار أو في غرفة واحدة. إلا أن هذه المساعي فشلت، وتوجت فشلها في القمة الخليجية التي أقيمت في الكويت ولم يحضرها من رؤساء الدول إلا أمير قطر وأمير الكويت، وتغيب الآخرون مرسلين وفودا صغيرة لتمثيلهم، فيما قد يكون أضعف درجة من التمثيل طوال مسيرة مجلس التعاون الخليجي لأكثر من ٣٥ عاما.

تسريبات تَتمّ إدارتها

سمحت الدول الثلاث لإعلامها بتصعيد لهجته باتجاه قطر، وفي مهاجمة حكام البلد المجاور، وهو أمر مخالف للقانون في هذه الدول الثلاث ولكنه كذلك فقط لو حدث قبل المقاطعة، كذلك لم تأل وسائل الإعلام القطرية أي جهد لمهاجمة الدول الثلاثة الأخرى بما في ذلك السياسيات الداخلية والخارجية والاقتصادية والاضطهاد وملفات حقوق الانسان.

كل هذه التطورات على ساحة الإعلام الخليجي من خلال فتح المجال للحديث عن الفساد داخل الحكومات والعائلات الحاكمة من دول قريبة في السياسة والمصالح والجغرافيا وجميعهم أعضاء في مجلس التعاون الخليجي هو أمر جديد على الساحة الخليجية. ربما يعود السبب في ذلك إلى عدم وجود وسائل إعلام مستقلة في هذه الدول إلا على ”العدو“، فقد عمدت البحرين على سبيل المثال لإيقاف صحيفة ”الوسط“ قبل إعلان مقاطعة قطر بأقل من ٢٤ ساعة، لتفادي أي صوت قد ينتقد القرار أو يحلله أو يقف علي الحياد منه. بالإضافة إلى هذا يمكن ملاحظة أن هناك كمية هائلة من المواد على مدار الأشهر الثمانية الماضية من خلال المراقبة الحثيثة التي كانت في السابق سرية وغير معلنة قدمتها السلطات إلى وسائل الإعلام لتتمكن من الهجوم على الطرف الآخر.

ففي البحرين مثلا، تم بث مكالمات عبر التلفزيون الرسمي في البلاد، قالت المذيعة بإنها مسربة، لمكالمة تجمع وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم والقيادي في المعارضة البحرينية الشيخ علي سلمان، اتهمته فيها بمحاولة قلب نظام الحكم في البحرين. كما نشر تلفزيون ”العربية“ السعودي نص ”الاتفاق السري“ بين الدول الثلاث و قطر في العام 2013 الذي سربته للقناة مصادر في مجلس التعاون الخليجي، والذي طالبت فيه السعودية قطر آنذاك بوقف دعم تنظيم الأخوان وطرد العناصر التابعة له، وإغلاق قناة الجزيرة وغيرها من المطالب، والتي لم تكن علنية من قبل، مضيفة بأن قطر لم تلتزم بالاتفاق.

وسائل إعلام الدول الثلاث المحاصرة، رأت في الأزمة مع قطر، كل ما تحتاجه الصحافة من أجل إثبات تميزها؛ مادة جديدة، كمية معلومات متوافرة، وبشكل حصري أحيانا، كما أنه لا حدود للتعاطي مع الشأن القطري بسلبية، حتى أن هناك ضوءا أخضر للهجوم على أمير قطر، كما إن الاتهامات لقطر التي أصبحت اليوم العدو الجديد بدلا من إيران، تصب في نفس المسار القديم للوم إيران على كل مشاكل المنطقة. هكذا أصبحت المقالات والبرامج اليوم تلوم قطر ومن خلفها إيران على الخراب في سوريا، وعلى الأزمة في البحرين وغيرها من المشكلات.

تصفية الحسابات

استنفرت وسائل الإعلام القطرية في إظهار الولاء للأسرة الحاكمة والنظام القطري، كما أنها ركزت على تغطية تأثير المقاطعة على حياة الشعب القطري والاقتصاد والطيران، والعديد من جوانب الحياة اليومية الأخرى. كما لم يدخر الإعلام القطري الفرصة للبحث عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان تحدث في المملكة السعودية العربية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لتسلط الضوء عليها، وتفرد لها صفحات عريضة في الصحافة بالإضافة للبرامج الخاصة على القناة الأشهر عربيا، قناة الجزيرة القطرية.

فقد أعدت قناة الجزيرة تقارير عن حرب اليمن واستراتيجيات الإمارات العربية المتحدة لتثبيت نفوذها في اليمن، وتهجير سكان جزيرة ”ميون“ اليمنية وتحويلها إلى جزيرة للعساكر الإماراتية في يوليو (تموز) الماضي. ونشرت صحيفة الشرق القطرية في أغسطس (آب) ٢٠١٧ صفحة كاملة بعنوان ”غرف الموت برهان على وحشية المنامة“، فيما نشرت صحيفة الراية القطرية صفحة كاملة بعنوان ”البحرين:اتهام وزير الداخلية بالإشراف على تعذيب المعتقلين“ في أكتوبر (تشرين الأول).

من الجدير بالذكر أن التغطية الإعلامية بين الدول الأربع - الإعلام المناهض لقطر والإعلام القطري - هي تغطية لموضوعات ليست جديدة، ولكن امتنعت هذه الدول عن تغطيتها خلال السنوات الماضية بسبب الوفاق السياسي الذي كان سائدا بينها. فيما أطلقت السلطات لوسائل الإعلام العنان لتغطية كل سلبي تراه في الطرف الآخر والذي تم تجاهله في السابق. كما أن وسائل الإعلام هذه جميعها انتهجت نهجا واحدا في مهاجمة السلطات والأنظمة الحاكمة، حتى وصل بها الحال لمهاجمة الحاكم ذاته، كملك البحرين أو أمير قطر أو ولي عهد الإمارات ولكنها جميعا تؤكد على وحدة الشعوب الخليجية وتعاضدها وحبها لبعضها البعض.

كما أن التشابه بين وسائل الإعلام في هذه الدول هو تغطية الانتهاكات والفساد في دولة “العدو” وتجاهل نفس المشكلات والانتهاكات في الدول الحليفة. كما وفرت هذه الدول الأمان من العقاب لجميع من يهاجمون “العدو”، فيما تعاقب كل منها من ينتقد قراراتها وسياساتها عقوبة قاسية من قادة رأي عام أو إعلاميين أو حتى مواطنين عاديين عبروا عن رأيهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

أغانٍ تدق طبول الحرب

وعلي الصعيد الفني، فقد كان للأغنية دور مهم في هذه الحرب الإعلامية. مثلا كانت أغنية ”خليجنا واحد“ هي الأغنية الأشهر في الدول الست الخليجية منذ الثمانينات، تردد في كل مناسبة خليجية بدءا من اجتماعات مجلس التعاون الخليجي وليس انتهاء بكأس الخليج لكرة القدم. تؤكد كلمات الأغنية الشهيرة على الوحدة الخليجية ”خليجنا واحد وشعبنا واحد، أنا الخليجي وأفتخر إني خليجي، والخليج كله طريقي“ والتي أنتجتها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في العام 1984. في المقابل أصبحت الأغاني اليوم تدق طبول الحرب بين الدول الثلاث وغريمتها الجديدة ”قطر“ بدءا من أغنية ”علّم قطر“ التي انتجتها شركة روتانا في سبتمبر من العام الماضي ”٢٠١٧“ والتي اتهمت قطر بـ“عشرين عام من الدسايس والغدر والمؤامرات“ كما اتهمتها بـ“الخيانة“ و“سواد القلب“ وقد غناها ثمانية من فناني السعودية الكبار.

مثال آخر هو أغنية ”ما عرفنا يا قطر“ التي غناها أيضا تسعة من ألمع نجوم الأغنية السعودية من إنتاج روتانا أيضا والتي تمتلئ كلماتها بالاتهامات بـ“الخيانة“. وقد شارك بالغناء فيها الفنان السعودي الشهير محمد عبده

”كان يتوجب علينا ردعكم وكل قاسي تحت سطوتنا يلين، وكان ملزومٍ علينا منعكم، وعن فعول اقزامكم تبت يدين“

فيما غنى عبد المجيد عبدالله: ”يا غروس الشر واجب قلعكم“ وأكد أصيل أبوبكر ”وأن قطعناكم حلالٍ قطعكم“ ، وتوج ماجد المهندس الاتهامات بدعم النظام الصهيوني

”من مضرتكم ماشفنا نفعكم، ومع صهاينة العرب متصهينيين“.

ولم يقبل الإماراتيون أن يكونوا متخلفين عن الركب، فانتجت شركة الشاعر الإماراتي علي الخوار أغنية بعنوان ”قولوا لقطر“ شارك فيها أهم المغنين الإماراتيين والتي شهدت تطورا بذكر اسماء أمير قطر الحالي تميم والسابق حمد، والإعلامي عزمي بشارة ومرشد الإخوان والداعية يوسف القرضاوي، واصفينهم بالخيانة وتعدي الحدود ومهددينهم بـ

“سيوف سلمان الحزم تشطر شطر، اسلم يا بو خالد ورد كيد العدو، واحنا جنودك وابشر بطيب الخبر، برجال زايد دك كل حصونهم لا عاد تبقي منهم ولا تذر“

وبذلك كانت هذه الدول قد فتحت الباب على مصراعيه حتى للفنانين لمهاجمة قطر ورموزها وتهديدهم بالزوال والحرب باستخدام الموسيقى والفن.

لا تزال الحرب الإعلامية بين الطرفين مستعرة، فلا البرامج الحوارية على تلفزيون البحرين تهدأ عن مناقشة ملف الفساد في كأس العالم، ولا قناة الجزيرة تركت الملف الاقتصادي البحريني والملف الحقوقي السعودي يمر دون أن تدخل في تفاصيله وتستضيف الخبراء والمعارضين لكشف المستور في هذه الدول، وهو ما كان يحدث منذ عقود دون أن تلتفت الجزيرة له قط.