السعودية تبحث عن حلفاء عراقيين ضد إيران

مقتدى الصدر يزور جدة

لقد تسببت الزيارة التي قام بها مقتدى الصدر الى المملكة العربية السعودية في 30 يوليو/تموز الماضي بقلقلة واسعة في الأوساط السياسية في بغداد. وتندرج زيارة الزعيم الروحي في سياق المساعي الخليجية الهادفة لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة.

بعد عقود من الفتور في علاقات وصلت حد القطيعة، بدا جلياً في الآونة الأخيرة مسارعة الرياض وبغداد إلى تطبيع العلاقات بينهما تدريجيا، بدءا بزيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى العاصمة العراقية قبل أشهر للمرة الأولى منذ 14 عاما. وبعيد ذلك، لبى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي دعوة رسمية من المملكة في حزيران/يونيو، تلتها زيارات رسمية أخرى لوزراء نافذين بينهم وزير النفط العراقي وشخصيات رفيعة المستوى، كان آخرها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

يسعى مقتدى الصدر إلى أن يكون من بين رجال الدين الشيعة المتمايزين بمواقفهم عن باقي القيادات التي لا تخفي ارتباطها بإيران بشكل أو بآخر. فالصدر له نظرة أخرى لعلاقات العراق بجيرانه من كافة الجهات وهي نظرة متناغمة ومتكاملة: فبالقدر الذي يسعى فيه الصدر إلى تحديد العلاقة مع إيران وانهاء هيمنتها بالقدر الذي يصرح فيه الصدر وبوضوح عن موقفه المعادي لنظام بشار الأسد في سوريا.

وتؤكد تصريحات الموالين للصدر هذا الاتجاه، مثل تصريح المتحدّث باسم الصدر صلاح العبيدي في مقابلة تلفزيونيّة يوم 2 آب/أغسطس “سماحة السيّد مقتدى الصدر قال قبل الذهاب، سوف لن أفتح ملفّاً يخصّ خارج العراق إذا لم يفتحوه هم... لأنّ هذا سوف يكون تدخّلاً في شؤونهم الداخليّة”.

الحد من التوتر الطائفي

ويُعدّ هذا الموقف ابتعاداً واضحاً عن الخطاب الدينيّ، الذي يُعرّف الأمّة على أساس الإنتماء الدينيّ والمذهبيّ ولا يعترف بمفهوم الدولة - الأمّة الحديث الذي يُحدّد الأمّة في الحدود الجغرافيّة للدولة بغضّ النظر عن انتماءات المواطنين الدينيّة أو العرقيّة.

وحصلت تطوّرات واضحة في ما يخصّ مفاهيم الوطن والأمّة عند بعض رجال الدين الشيعة في العراق، بعد تجربة حوالي 4 عقود من حكم رجال الدين الشيعة في إيران وعقد ونصف عقد من حكم الأحزاب الدينيّة الشيعيّة في العراق. وعلى سبيل المثال، دعا المرجع الدينيّ الأعلى علي السيستانيّ إلى إقامة دولة المدنيّة في العراق.

ويحاول الصدر بتمسّكه بهذه المفاهيم الوصول إلى موقف معتدل يساعد في تخفيف الأزمات الطائفيّة التي تعصف بالمنطقة عموماً، والعراق خصوصا“. كما أضاف صلاح العبيدي أن”الصدر يخالف التوجه الإيراني في العديد من قضايا المنطقة ولا سيما الوضع في سوريا".

أما بالنسبة للوضع الداخلي، فيعتبر مقتدى الصدر أن الميليشيات الشيعية المشكلة للحشد الشعبييجب أن تنصهر في إطار القوات الرسمية الحاملة للسلاح في الدولة العراقية.

وقد نجحت كتلته البرلمانية المشكلة من 34 نائبا في إقناع مجلس النواب العراقي على سن قانون لدمج تلك القوات داخل الجيش والأمن العراقي وهذا ما يحدّ أكثر النفوذ الإيراني على تلك الميليشيات التي يتلقى جزء كبير منها السلاح والتدريب من الحرس الثوري الإيراني.

تتقاطع رؤية الصدر بهذه الكيفية مع ما تطلبه المملكة العربية السعودية في المنطقة الأمر الذي جعل من الصدر ضيفا مرحبا به في المملكة في دول أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة، وقد يؤثر ذلك بالإيجاب على بعض الملفات والمصالح التي لا تزال محل أخذ ورد بين العراق والسعودية.

أنبوب نفط استراتيجي

بعد زيارة مقتدى الصدر بأيام، بدأت التصريحات تصدر عن بعض المسؤولين العراقيين والمتعلقة بأنبوب النفط الرابط بين العراق والسعودية والذي ينتهي بخزانات كبرى للنفط على ميناء معجز شمال مدينة ينبع على البحر الأحمر.

إشكال هذا الأنبوب أن السلطات السعودية قررت تعليق العمل بالأنبوب سنة 1990 بعد غزو العراق للكويت وبقي بلا استخدام طيلة التسعينات إلى أن صادرت السعودية الخط سنة 2001، وحتى بعد سقوط النظام العراقي السابق بقي الأنبوب مغلقا مما أثر سلبا على العلاقات العراقية السعودية. وقد بنى نظام صدام حسين الأنبوب أثناء الحرب العراقية الإيرانية بتكلفة تقارب بليوني دولار تحملها العراق كاملة، وكان القصد من الأنبوب هو إيجاد منفذ آخر لتصدير النفط يكون أكثر أمانا من المرور عبر الخليج العربي قرب مضيق هرمز لقربه من مجال القصف الإيراني. وقد اختبرت السعودية الأنبوب سنة 2012 وهو إلى الآن في حالة جيدة.

وقال وزير النفط العراقي السابق إبراهيم بحر العلوم لصحيفة الحياة أنه “ناقش مسألة الأنبوب في السابق ويتوقع تفاعلا إيجابيا من الجانب السعودي لأن الأجواء السياسية مناسبة وهناك تقارب كبير بين البلدين”. وتؤكد آراء مراقبين أن ما يقصده وزير النفط العراقي السابق بـ“الأجواء السياسية المناسبة” هو التقارب في وجهات النظر بين الصدر وولي العهد سلمان بن سلمان بن عبد العزيز وقد يكون ذلك دافعا فعليا لإعادة فتح الأنبوب الذي يعتبر استراتيجيا لطاقة تصميمه البالغة 1,65 مليون برميل يوميا..

ومن جهة أخرى، فإن زيارة مقتدى الصدر إلى المملكة العربية السعودية مصحوبا بوفد من طلبة الحوزة العلمية بالنجف سوف تؤثر بشكل عميق في الحملات الإعلامية المتبادلة بين السنة والشيعة بشكل عام. فقد أججت تلك الحملات طيلة أكثر من عقد ونيف النزعات الطائفية بين الشيعة والسنة في أكثر من دولة في الشرق الأوسط، تبعها دعم وتمويل من قبل القطبين الطائفيين الكبريين في المنطقة: إيران والسعودية. وقد تتسبب زيارة الصدر للسعودية في إحراج للمسؤولين السعوديين وبالتالي تخفيض منسوب الشحن الإعلامي والأمر سيان بالنسبة للمجال الذي يسيطر عليه مقتدى الصدر.

وجاء في البيان الصادر عن مكتب مقتدى الصدر أن زيارته للسعودية أسفرت عن اتفاقفي ضرورة تبني خطاب ديني معتدل وافتتاح قنصلية سعودية في النجف ومزيد الاستثمار في مجالات عديدة خاصة في الجنوب العراقي وتقديم مزيد المساعدات للنازحين.

تغيير ميزان القوى في بغداد

أمام ما يمكن أن يلعبه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر من دور مهم بالنسبة لدول الخليج وخاصة السعودية في الوقوف أمام التوسع الإيراني في العراق، أصبح الصدر أحد أهم الشخصيات السياسية والدينية التي تراهن عليها الأجهزة الخليجية. وهذا ما يؤكده محللون مثل الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة فنار حداد الذي صرح لوكالة فرانس براس قائلا “إن استضافة الصدر في الرياض وأبو ظبي تظهر للمنافسين الإقليميين، وخصوصا إيران، أن السعودية والإمارات قادرتان على الاستفادة من الشيعة السياسية في العراق والتأثير فيها”.

وأمام ضعف القرار السياسي لرئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي أمام قوة النفوذ الإيراني السياسية والعسكرية والتي أثبتتها الأحداث في ما يتعلق بالحرب على داعش في شمال غرب العراق وهيمنة ضباط من الحرس الثوري الإيراني على بعض القرارات الإستراتيجية العسكرية، فإن دول الخليج وجدت في مقتدى الصدر الزعيم الذي يمكن التعويل عليه في تغيير موازين القوى داخل العراق لصالح القوة القادرة على مواجهة إيران، فبجانب بعض القوى السنية المتركزة أساسا في غرب العراق وشماله الغربي.

ويقول مايكل ناتيس الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إن “طهران ستنظر إلى الشراكة السعودية مع العبادي والصدر كسبب آخر لضرورة رحيل العبادي من منصبه كرئيس للوزراء في انتخابات العام 2018”. وهذا ما يؤكد قدرة الإيرانيين على المساهمة في تغيير رئيس الوزراء من داخل نسق الحكم العراقي نفسه. وتولدت قناعة لدى دول الخليج مع الوقت بأن التعويل على القنوات الرسمية مع العراقيين يعد رهانا غير موثوق ما لم يُدعم بتحالفات من داخل الزعامات السياسية القوية في الشارع العراقي، وفي هذا السياق جاء التقارب مع مقتدى الصدر وتوجيه دعوة رسمية له لزيارة المملكة.

ولكن وفي كل الحالات وجب التفطن إلى أن محاولات احتواء الصدر السياسية لا تعني بالضرورة تمكن السعودية وحلفائها نهائيا من موطئ قدم حاسم في العراق. ويقول فنار حداد في هذا السياق إن “التسويات لن تأتي بالضرورة عن طريق الصدر، ويجب التذكير بأن علاقات الرياض-الصدر ليست هي نفسها العلاقات الثنائية بين البلدين”.

وبتتالي تبادل الزيارات بين وفدي البلدين بدأت الحياة تعود إلى معبر “عرعر” الحدودي بين العراق والسعودية والذي بقي مغلقا لمدة 27 عاما بعد غلقه سنة 1990 بسبب غزو العراق للكويت وقطع العلاقات. وقد فتح المعبر لتسهيل مرور الحجيج من العراق إلى المملكة وكذلك لإعادة النشاط التجاري للمعبر بعد نشر قوات عراقية على طول الطريق الصحراوية الرابطة بين الأنبار والمعبر لحماية المسافرين حسب تصريحات مسؤولين محليين.